صفي الرحمان مباركفوري
239
الرحيق المختوم
بدت خلاخيلهن « 1 » . وتبع المسلمون المشركين ، يضعون فيهم السلاح ، وينتهبون الغنائم . غلطة الرماة الفظيعة : وبينما كان الجيش الإسلامي الصغير يسجل مرة أخرى نصرا ساحقا على مكة لم يكن أقل روعة من النصر الذي اكتسبه يوم بدر ، وقعت من أغلبية فصيلة الرماة غلطة فظيعة قلبت الوضع تماما ، وأدت إلى الحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين ، وكادت تكون سببا في مقتل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد تركت أسوأ أثر على سمعتهم ، والهيبة التي كانوا يتمتعون بها بعد بدر . لقد أسلفنا نصوص الأوامر الشديدة التي أصدرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى هؤلاء الرماة ، بلزومهم موقفهم من الجبل في كل حال من النصر أو الهزيمة ، لكن على رغم هذه الأوامر المشددة ، لما رأى هؤلاء الرماة أن المسلمين ينتهبون غنائم العدو ، غلبت عليهم ، أثارة من حب الدنيا ، فقال بعضهم لبعض : الغنيمة ، الغنيمة ، ظهر أصحابكم ، فما تنتظرون ؟ أما قائدهم عبد اللّه بن جبير ، فقد ذكرهم أوامر الرسول صلى اللّه عليه وسلم وقال : أنسيتم ما قال لكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ ولكن الأغلبية الساحقة لم تلق لهذا التذكير بالا ، وقالت : واللّه لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة « 2 » . ثم غادر أربعون رجلا من هؤلاء الرماة مواقعهم من الجبل ، والتحقوا بسواد الجيش ، ليشاركوه في جمع الغنائم ، وهكذا خلت ظهور المسلمين ، ولم يبق فيها إلا ابن جبير وتسعة من أصحابه ، التزموا مواقفهم ، مصممين على البقاء حتى يؤذن لهم أو يبادوا . خالد بن الوليد يقوم بخطة تطويق الجيش الإسلامي : وانتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة الذهبية ، فاستدار بسرعة خاطفة ، حتى وصل إلى مؤخرة الجيش الإسلامي ، فلم يلبث أن أباد عبد اللّه بن جبير وأصحابه ، ثم انقض على المسلمين من خلفهم ، وصاح فرسانه صيحة عرف المشركون المنهزمون بالتطور الجديد ، فانقلبوا على المسلمين ، وأسرعت امرأة منهم - وهي عمرة بنت علقمة الحارثية - فرفعت لواء المشركين المطروح على التراب ، فالتف حوله المشركون ولاثوا به ، وتنادى بعضهم
--> ( 1 ) صحيح البخاري 2 / 579 . ( 2 ) روى ذلك البخاري من حديث البراء بن عازب 1 / 426 .